1, الأولى
اكتب تعليقُا

«الكتاب الأخضر» للأميركي بيتر فاريلي

قد لا يكون من السهل التمييز في الأفلام السيَريّة (البيوبيك) إن كان ما تحويه من عناصر قوّة في طرح موضوعها، من صنع السيناريو أم القصة الواقعية، أي سابقة عليه (والحال كذلك في السيناريوهات المأخوذة من الروايات). لكن، والحديث هنا عن فيلم سينمائي، لن يكون للجدال في ذلك أي جدوى طالما كان موضوع الأسطر (أو الكلام) فيلماً سينمائياً. لنتحدث عنه، إذن، كفيلم برع في الأخذ من حكاية طويلة، ما يجعله، في ساعتين، فيلماً -حكايةً وحوارات وشخصيات- جيداً. لنكتفِ بـ “جيّداً” ولا نزيد عليها.

هذا هو حال فيلم «الكتاب الأخضر» الذي نال جائزة أوسكار أفضل فيلم وأفضل سيناريو أصلي، وجوائز أخرى، إضافة إلى  تقييمات عالية ضمن الآراء النقدية. قد لا يكون ذلك لفنّية فيه، فهو خال -نسبياً- منها، إذ كان من حيث السرد والتصوير آمناً، هوليوودياً نمطياً (ومتوقَّعاً)، إنما، وضمن المتاح في هوليووديّته، أحسنَ نقل ما نقله من الحكاية مع تركيز على مفارقات لا يمكن إلا أن تُفهم تارة ضمن الفروقات العنصرية في الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي، وتارة ضمن الفروقات الطبقية بشكل مواز -ولنقل- مقابل لتلك العنصرية.

الحكاية المبنية على مراسلات إحدى شخصيتي الفيلم، مراسلات هي عنصرٌ أساسي في تطور: أولاً، العلاقة بين الشخصيتين (السائق الأمريكي من أصل إيطالي، والموسيقي الأمريكي من أصل إفريقي)، وثانياً، العلاقة بين أحدهما (الأول) وبين زوجته، وبالتالي تطوّره كشخصية “درامية” تغيّرت بشكل واضح من بداية الفيلم إلى نهايته، والعلاقة الإنسانية بين الشخصيتين (الأول والثاني) هي التي غيرته، أخيراً.

أما الحكاية فهي كالتالي: أمريكي/إيطالي يعمل كحارس في ملهى ليلي، معروف ببأسه، يُطرد من عمله لضربه أحدهم، يُطلب لعمل آخر كسائق وحارس شخصي لموسيقي أمريكي/إفريقي غنّي بشكل باذخ، متكبّر نوعاً ما، منعزل عن باقي الأمريكيين السود، يتّخذ الأوّلَ كمرافق في جولته الموسيقية في الجنوب الأمريكي، حيث العنصرية ضد السود في أقصى حالاتها.

الأوّل فقير يبحث عن عمل، لكنّه كذلك عنصري، ففي مشهد باكر من الفيلم نراه يرمي في القمامة كأسَين زجاجيين شرب منهما رجلان أسودان كي لا يستخدمهما. بداية يرفض العمل لدى “الموسيقي الأسود” ثم يقبل حين يعرف أنّه “لن يمسح أحذية”، يبدآن في مشوارهما -والفيلم فيلم طريق (Road movie) ضمن الولايات الأمريكية. يتعارفان أكثر، يتصادقان بعدما تضعهما المواقف الصعبة في طرف واحد، لمواجهتها، بعد مساعدة كل منهما للآخر: الأول ينقذ الثاني من تحرّشات واعتداءات، والثاني يساعد الأول في كتابة رسائل رومانسية إلى زوجته. تتطور العلاقة الإنسانية بينهما بشكل يجعل كل منهما يتخلى- تدريجياً حتى يكون التخلي نهائياً- عن الخلل في شخصيته والحائل دون إقامة علاقة إنسانية تامة: الأول يتخلى عن عنصريته تماماً والثاني عن طبقيته، تُزال فوارق المشاعر العنصرية والطبقية بين الاثنين لتحل محلهما العلاقة الإنسانية وحسب، الصداقة الحقيقية الناتجة عن صعوبات حياتية تشارَكها الاثنان، وهذا التطوّر نراه واضحاً، يتقدّم، من المشهد الأوّل حتى الأخير، بشكل قد لا يكون كذلك في واقعه، إنّما استطاع المخرج تكثيفه في ساعتين ليكون أخيراً هذا الفيلم.

قلتُ إنّه “فيلم طريق”، وهو ليس كذلك بالمعنى المادي وحسب، ليس فقط تنقّلاً بالسيّارة بين الولايات الأمريكية، بل هو طريق نفسي سلكه كل من الرجلين للانتقال من العنصرية إلى الإنسانية في حالة الأوّل، ومن الطبقية إلى الإنسانية في حالة الثاني، ليلتقيا أخيراً، في المكان الذي وصلاه معاً، معنوياً، ويصبحان صديقين. هو “فيلم طريق” للرحلة الداخلية في كل منهما، وعن التعارف الإنساني، تعارف كل منهما مع الآخر، الانفتاح على الآخر و، لا أقول تقبّله بل: مصادقته.

من العبارات التي يمكن أن تحكي، عميقاً، عن قصّة الفيلم بين الرّجلين، هي ما قاله السائق إلى الموسيقي: “أنا أسود أكثر منك”، وهذه إشارة إلى أمرين: أن الوضع لدى الأمريكيين السود آنذاك كان موازياً لوضعهم الاجتماعي، كانت العنصرية والطبقية آنذاك مندمجين بشكل لا يجعل الأمريكيين السود الأغنياء (الطبقة المتوسطة، لنقل) في حال أفضل كثيراً من أبناء جلدتهم الفقراء، فالعنصرية تنال من الجميع، بمن فيهم الموسيقي الغني (جداً) الذي ترفض المطاعم التي دعته ليعزف البيانو، أن يتناول عشاءه في الصالة مع الجميع (مع البيض). والفيلم ممتلئ بهذه المفارقات التي يتداخل فيها العنصري مع الطبقي. أما الجانب الآخر لهذه العبارة فهو شعور الإيطالي الفقير بتماهيه مع مزارعين سود فقراء يمرّ الرجلان بسيارتهم بهم. هو إذن شعور السائق بالتماهي مع الفقراء السود بسبب الطبقة الاجتماعية وشعور الموسيقي -لاحقاً- بالتماهي معهم بسبب لون البشرة.

«الكتاب الأخضر» (Green Book)، فيلم المخرج الأمريكي بيتر فاريلي، الذي نزل مؤخراً إلى الصالات الفرنسية أخذ اسمه من دليل طرقٍ (كتيّب) شاع في ذلك الزمن وكان موجّهاً للسود، يشرح أين يمكن أن يمرّوا بسياراتهم لتجنّب مناطق عنصرية يمكن أن تودي بهم إن مرّوا بها. ما كانه الفيلم هو -وهذه استعارة ذكية لاسم الكتاب- دليل طرق تكون نقطة الانطلاق فيه هي العنصرية/الطبقية وتكون وجهته وغايته هو التضامن الإنساني النّقيض لأي شعور عنصري أو طبقي يحمله أحد تجاه الآخر.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.