1, الأولى
اكتب تعليقُا

«الحياة الوحشية» للأمريكي بول دانو

للفيلم عنوان صريح، يشير مباشرة إلى قصّته، إلى فكرته الأساسية، وهي الغرائز البشرية التي تحيل الحياة إلى “وحشية” أو إلى سعي لتأمين الحاجات الأوّلية، لإنسان يمكن أن يعيش في زمننا هذا أو أي زمن، وفي الفيلم: في ستينيات القرن الماضي.

من البداية نعرف أن الزوجين انتقلا إلى أكثر من مكان، إلى حيث يجد الزوج عملاً، والمكان الذي انتقلا، مع ابنهما، إليه مؤخراً هو مدينة شبه نائية شمال الولايات المتحدة. من البداية نعرف أن الزوجة ستكف عن عملها لتتفرغ لتربية ابنها المتفوق في مدرسته. في اليوم ذاته سيصل للزوج خبر بأنه سيُقال من عمله البسيط في نادي غولف، حيث يعتني بالزبائن (يمسح أحذيتهم مثلاً). تبدأ أزمة العائلة الصغيرة العاملة، أزمة لا تبدو أنها الأولى لهم. يعاود نادي الغولف الاتصال بالزوج للاعتذار وطلب العودة إلى عمله لكنه يرفض مبدئياً العمل مع أناس كهؤلاء، يقرر أخيراً الالتحاق بعمّال مياومين، جُمعوا ليساعدوا في إطفاء حريق كبير في إحدى الغابات، وبمقابل دولار واحد في الساعة. ترفض الزوجة لأن هذا العمل سيتطلب غياباً طويلاً لزوجها ودون عائد مادي مناسب، ولخطورة ما سيقوم به.

يضطر الزوج للذهاب، الزوجة تجد عملاً في ناد تُدرّب فيه على السباحة، تدخل في علاقة مع رجل كبير في السن يتدرب على يديها، ابنها يشهد على ذلك، على هجران أمّه لأبيه تدريجياً وهي بين يدي الرجل الثري الذي وعدها، ساخراً، بتدبير عمل لزوجها حين يعود.

كل ذلك يؤثّر على دراسة الولد بل ودوامه، فيترك المدرسة ليعمل في استديو تصوير، يتطور في عمله، لكنه متأزّم نفسياً، أولاً لبعد أبيه وثانياً لانجذاب أمّه (للمصلحة وليس حتى للحب) إلى رجل غريب وجده مرّة في بيتهم وفي حالة حميمية مع أمّه، فهو شاهد على تفسّخ علاقة والديه، لأسباب هي غريزية تماماً، تتعلق بالعمل وكسب العيش والجنس، والحريق، كعنصر أساسي كذلك في حياة البشرية كان حاضراً في أكثر من حالة.

في البداية، في المدرسة، يشرح مدرّس للتلاميذ عن الحريق، عن كيفية التصرف في حال حدوثه، وهو هنا حرائق الغابات التي تأتي على مساحات واسعة. تُخبره زميلته بأن لا ضرورة لأن ينتبه كثيراً إلى المدرّس لأنّ الحرائق لن تصل إليهم، أنّها بعيدة تماماً. خلال أيام يحصل كل ما حصل أعلاه، إذ يصل الحريق إلى بيت الولد وأبويه إنّما بشكل آخر، من خلال رحيل الأب لمكافحة حرائق بعيدة، تأثير الحريق هنا معنوي ورمزي، إذ خسر الولد أبيه أولاً ثم أمّه، ثم العائلة المكونة من ثلاثتهم والتي بدت سعيدة ومستقرة، وقد قررت الأم الانفصال. لكل ذلك تأثيراته على الولد الذي خسر أخيراً مدرسته وأسرته، لأسباب غريزية تماماً، لأسباب قد لا تحمل تفسيراً سوى أنّ العالم غير عادل. فمن ولد يعيش في البيت والمدرسة حالة صحّية ومطمئنّة، تنقلب حياته وحياة والديه لأنّ معيل الأسرة خسر وظيفته. 

الجيّد -نسبياً- في الفيلم هو إمكانية بناء حكاية يمكن أن تكون جاذبة، في هذا الزمن، تعتمد على فكرة الغرائز لدى الناس، وهي قديمة قدم البشرية، وبإعادة طرحها بشكلها البسيط والبدائي كما هي في الفيلم، وذلك يُحسب لمخرجه وكاتب السيناريو إذ لم يكن، بذلك، مملاً، متوقَّعاً، أو حتى رتيباً في الكيفية التي تطورت فيه أحداثه.

كانت النار عنصراً أساسياً لتطور البشرية، وهنا، عنصراً أساسياً لتطور الحكاية، إذ كانت السبب لخروج الأب والابتعاد عن أسرته للعمل في إطفائها، ثم، لاحقاً وحين يعود، يحاول حرق منزل الرجل الذي أقامت زوجته علاقة معه، بالنّار، لكنّه يحرق ساقه مع البيت، وهو الخاسر أخيراً إذ يسرع ابنه لإبلاغ الشرطة، ورد فعله هنا، كذلك، كان غريزياً فورياً غاضباً.

الفيلم (Wildlife) الطموح، وإن لم يكن ممتازاً إنّما لم يكن مملاً، هو مما يمكن تسميته بالأفلام البديلة في أميركا، هو ليس هوليوودياً بالمعنى النمطي، بل مستقل، فنّي نسبياً، لا يعتمد على مؤثرات بل على الكلمة والصورة، فلا شركات إنتاج وتوزيع كبيرة له، وهو كذلك أتى بعرض أوّل في مهرجان “سندانس” السينمائي في أمريكا والمتخصص بالأفلام المستقلة (نوعاً ما). الفيلم المعروض في الصالات الباريسية اليوم، شارك في مهرجانات “مستقلة” أو ثانوية عدّة، ونال جائزة أفضل فيلم في مهرجان تورينو السينمائي في إيطاليا (ثاني مهرجان هناك بعد فينيسيا)، وشارك كذلك في مهرجان كان السينمائي الأخير وضمن مسابقة “الكاميرا الذهبية” المكرسة للمخرجين الشباب وأفلامهم الأولى.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.