1, الأولى
اكتب تعليقُا

«فاردا من قِبل أنييس» للفرنسية أنييس فاردا

للمخرجة الفرنسية أنييس فاردا تجربة استثنائية في عالم السينما، فهي صحابة أفلام روائية بقدر ما هي -تماماً- صاحبة أفلام وثائقية. الوفرة والجودة لهذه الأفلام، بنوعيها، يبرّران ذلك القول.

ليس مناسبة هذا الحديث، الآن، رحيُلها الذي كان قبل أيام، بل، وهو موضوع هذه الأسطر، الفيلمُ الوثائقي الأخير لها وهو «فاردا من قِبل أنييس»، Varda par Agnès، ٢٠١٨. هو الفيلم الأخير لفاردا، وكان وثائقياً، وكان، كذلك، سيَرياً. كان توديعاً أخيراً منها لمحبّيها، إذ تنهيه بمشهد تُبحر فيه، بالكاد نراها بسبب الضباب، كأنّها مسافرة إلى العالم الآخر، قائلةً: “في لحظة ما، فكّرتُ بأن أنهي فيلمي هكذا، أن أختفي في عاصفة من الرمال والرياح، أعتقد بأنّي سأنهي هذا الفيلم )المحادثة) هكذا، سأختفي في الضباب، سأترككم.”

شيء مماثل قالته فاردا في فيلمها السيَري السابق وهو «شواطئ أنييس» Les plages d’Agnès، ٢٠٠٨ (جائزة سيزار لأفضل وثائقي)، إذ أنجزته وقد أكملت ثمانين عاماً من عمرها، وكان كختامٍ سينمائي لها، إذ توقّعته أن يكون فيلمها الأخير، وكان مضمونه إشارة لذلك: فيلماً تُخرجه هي عن نفسها، عن أفلامها، تحكي فيه أين ومتى وكيف ولدت وعاشت كافة مراحل حياتها، مارة، بترتيب زمني، بأعمالها السينمائية، معطية مساحة أكبر للباب الذي دخلت منه إلى عالم السينما، وكان من خلال التصوير الفوتوغرافي، مركّزةً أكثر على أهم أفلامها، الروائية كـ Cléo from 5 to 7 ، ١٩٦١، و Vagabond، ١٩٨٤، (جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي)، والوثائقية كـ The Gleaners and I، ٢٠٠٠، و Faces Places، ٢٠١٧، وغيرها.

بعده بعشرة أعوام، مع شعور عام -ربّما- باقتراب أجلها، إذ تم تكريمها من أكثر من جهة، فقد نالت عام ٢٠١٨ جائزة أوسكار شرفية على مجمل أعمالها (وسعفة ذهبية شرفية عن مجمل أعمالها في مهرجان كان السينمائي عام ٢٠١٥)، واحتفت بها السينماتيك الفرنسية في برنامج استعادي خاص، إضافة إلى احتفاء من قناة آرتي التي عرضت «فاردا من قِبل أنييس»، مع أفلام ومواد أخرى للمناسبة.

نعود إلى الفيلم الذي بدا كجزء ثان من فيلمها السيَري السابق «شواطئ أنييس»، والمتوفر على موقع قناة آرتي ولم ينزل إلى صالات السينما الفرنسية بعد. فقد شارك الفيلم في الدورة الأخيرة من مهرجان برلين السينمائي في شباط/فبراير من هذا العام، خارج المسابقة الرسمية، وقسّمته فاردا إلى جزأين (محادثتين، كما سمّتهما) إذ كان الفيلم عبارة عن حديث/محاضرة، مع/إلى جمهور مسرح كبير، جالسة على كرسيّها، تحكي عن صناعة الأفلام لديها، أسلوباً ومنهجاً وإدارة، تحكي عن العلاقات خلال ذلك، عن الأفكار أين وكيف بدأت… ولم يكن الفيلم محادثاتها تلك، بل كان وثائقياً، حول أفلامها تأسّس على تلك المحادثات.

في وقت كان الوثائقي الذي سبقه بعشرة أعوام حولها هي أولاً وأفلامها ثانياً. هنا، في فيلمها بعنوانه ودلالته، كان عن أفلامها. والعنوان كان دلالياً، «فاردا من قِبل أنييس»، فهي باسمها الشخصي “أنييس” تحكي عن “فاردا” المخرجة و-كذلك- الفنانة البصرية، وهو الجانب غير المعروف بكثرة عن فاردا، كفنانة -يمكن القول- شاملة.

في الفيلم، من خلال أحاديثها وكذلك مقاطع من أفلامها أو من أعمالها الفنية الإنشائية، تحكي/تصوّر فاردا أكثر عن رؤيتها الفلسفية للسينما، لمعنى أن تكون السينما إنسانية وفي الوقت نفسه فنّية، عن التنقل بين الروائية من أفلامها وبين الوثائقية، ببساطة وخفّة ظل رافقا الفنانة إلى عمرها التسعين الذي رحلت عنه بإنجاز هذا الفيلم.

في الجزء الأول تناولت أفلامها من أوّلها عام ١٩٥٤ إلى ٢٠٠٠ الذي أخرجت فيه فيلمها الوثائقي المميز والخاص بأسلوبه، The Gleaners and I، والذي يحكي عن “الحصد”، أي التقاط ما يرميه الآخرون كقمامة، إذ جمعت، بذكاء، فيه بين من يلتقط عن الأرض ما يزيد من خضار وفاكهة إثر انتهاء ساعات الأسواق المحلية على أرصفة باريس، ثم إلى من يلتقط الخضرة والفواكه كذلك من الحقول في الريف إثر انتهاء المواسم، ثم من يلم عن الأرصفة ما يتركه الناس أمام بيوتهم من كراسي وثلاجات ومقتنيات منزلية، وغيرها من الحالات الإنسانية التي وثّقتها فاردا بحساسية عالية، وبكاميرا -كما ذكرتْ مراراً- الديجيتال الصغيرة تحملها بيدها، ودون فريق عمل، كي لا تفزع الحصّادين.

بنوعَي أفلامها، الوثائقي والروائي، وبدمجها نسبياً بين النوعين فيها، ابتدعت فاردا أسلوباً خاصاً من السينما حيث يكون في الوثائقي شيء ما روائي وفي الروائي شيء ما وثائقي، فاسحدثت أسلوبها في السرد والتطوّر والتصوير، في كل من روائياتها ووثائقياتها.

في الجزء الثاني من الوثائقي، تتناول فاردا سيرتها الفيلميّة من عام ٢٠٠٠ إلى ٢٠١٨، وقد أحدثت التكنولوجيا الرقمية تغييرات في طبيعة عملها، تغييرات لم تحُل دون استثمارها من قبل فاردا، وذلك حتى فيلمها هذا، وقبله Faces Places، ٢٠١٧، الذي نالت عنه جائزة “العين الذهبية” في مهرجان كان السينمائي، وهي جائزة أفضل وثائقي في المهرجان.

فيلم هذه الأسطر فريد في نوعه وأسلوبه، فهو وثائقي لصانعته عن صَنعتها، بل هو الوثائقي الثاني لها عن صنعتها، ولأفلام كهذه قيمة معرفية ونقدية وبحثية إضافة إلى الفنّية، تكون خاصة، لا نجدها كثيراً لدى كبار المخرجين. نجد وثائقيات لآخرين عنهم، إنّما، أكثر ما يود أحدنا معرفته عن صنعة السينما لدى صانع فيلم ما، هو ما يقوله هو، وفي فيلم من صنعه.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.