1, الأولى
اكتب تعليقُا

أنييس فاردا، السينما كفنٍّ إنساني ونسوي

رحلت عن عالمنا قبل أيام ، ٢٩ مارس/آذار، السينمائية الفرنسية أنييس فاردا (١٩٢٨-٢٠١٩) عن ٩٠ عاماً وبعد رحلة طويلة من السينما الروائية والوثائقية، وبعد مشاركة في تأسيس “الموجة الجديدة” الفرنسية في ستينيات القرن الماضي، التيار السينمائي الأبرز تاريخياً. وحضور فردا في هذه “الموجة” كان أهم ما احتوته حياتها السينمائية.

بخلاف مؤسسي “الموجة” وقد وفدوا إلى الإخراج من النقد السينمائي، من “السينيفيليا” كجان لوك غودار وفرانسوا تروفو وجاك ريفيت وجاك ديمي وآخرين، فكانوا نقّاداً في مجلة “دفاتر السينما” وبدؤوا تباعاً في ابتداع نوع جديد من السينما كمخرجين، بميزانيات منخفضة وكاميرا على الكتف وتصوير واقعي في الشوارع المزدحمة، بمنحى “متمرد” للمونتاج ولاستخدام الصوت والموسيقى والكادرات، وغيرها. بخلاف رفاقها، وفدت فاردا إلى السينما من عالم التصوير الفوتوغرافي (تذكّرنا بالأميركي ستانلي كوبريك في ذلك)، ولم تكن حتى محبّة للسينما، فكل ما شاهدته من أفلام وهي في الخامسة والعشرين من عمرها لا يتعدى العشرة، كما قالت في الوثائقي «شواطئ أنييس» الذي أخرجته عام ٢٠٠٨ وهو سير ذاتية وثائقية/روائية أخرجته فاردا عن نفسها، عن حكايتها مع السينما، عن طفولتها في بروكسيل ثم انتقالها إلى مدينة سيت الساحلية جنوب فرنسا ثم إلى باريس، مع مرور بأفلامها وحياتها الخاصة مع زوجها المخرج جاك ديمي.

يمكن ملاحظة اهتمامها الخاص بالكادر، بإطار الصورة، كسينمائية بخلفية فوتوغرافية، في فيلمها الأوّل «La Pointe Courte»، ١٩٥٥، ولكن تحديداً في فيلمها الثاني، وهو من بين الأفضل لها ومن بين أهم أفلام “الموجة الجديدة”، هو «Cléo de 5 à 7»، ١٩٦٢، إذ كان من بين أوائل الأفلام التي شكّلت معاً خلال سنتين أو ثلاث “البيان التأسيسي الفيلميّ” لما صار يُعرف لاحقاً، لما صار يُطلق عليهم من قبل نقّاد، بأفلام موجة جديدة فرنسية، والأفلام، إضافة إلى فيلم فاردا، هي: «Les Quatre Cents Coups»، ١٩٥٩، لفرانسوا تروفو، «À bout de souffle»، ١٩٦٠، لجان لوك غودار، «Lola»، ١٩٦١، لجاك ديمي وهو زوج فاردا الذي رحل عام ١٩٩٠، «Paris nous appartient»، ١٩٦١ لجاك ريفيت، وقليل غيرها.

ازدحمت الصحافة الفرنسية والعالمية بمقالات ومواد تناولت فاردا، في الأيام الأخيرة، إضافة إلى فيديوهات عديدة، إذ كانت السينمائية الفريدة حاضرة بشكل دائم، في شغلها السينمائي كما في طلّاتها الإعلامية، مسيطرة بروحها المرحة وضحكتها الدائمة على الأجواء حيث تكون. ففي يناير/كانون الثاني، أقامت السينماتيك الفرنسية في باريس برنامج “١٥ يوماً مع أنييس فاردا”، فيه عروض لجميع أفلامها، ولقاءات معها وعنها، أحد اللقاءات متوفّر على قناة “آرتي” التي بدورها بدأت بعرض بعض أفلام فاردا أياماً قليلة فقط قبل رحيلها. وفاردا التي احتفت بها المجلة السينمائية المتخصصة «دفاتر السينما» بمواد عدّة في عدد يونيو/حزيران الماضي، وكانت على غلافها، شاركت بفيلمها الوثائقي الأخير «Varda par Agnès» في مهرجان برلين السينمائي هذا العام. هناك، صرّحت أنّ “علي التوقّف عن الحديث عن نفسي، وها أنا عليّ تحضير نفسي للقول مع السلامة، وللرحيل.»

صاحبة «Les glaneurs et la glaneuse» التي نالت قبل عامين، ٢٠١٧، جائزة أوسكار شرفية عن مجمل أعمالها. وقبلها بعامين، ٢٠١٥، السعفة الذهبية الشرفية من مهرجان كان السينمائي، وجائزة الأسد الذهبي عام ١٩٨٥ عن فيلمها «Sans toit ni loi»، وجوائز وتكريمات عدّة، تتعدى أهميّتها في تاريخ السينما كل ذلك، أو تسبقه إلى بداياتها وقد استمرّت الأهميّة تلك على طول مشوارها السينمائي، وهي في البعد النسوي الذي كان بارزاً في أفلامها الروائية وكذلك الوثائقية.

إلى ما تمّ ذكره أعلاه حول “الموجة الجديدة” نستطيع الإضافة أنّ أفلام هذه الموجة كانت رجّالية (يصنعها رجال) وذكورية (بالنّظر لصورة المرأة فيها)، ليس هذا حكماً فنياً على تلك الأفلام طبعاً، فهي من بين الأجمل في التاريخ برأيي، ومن بين الواجب ذكرها متى تحدثنا عن السينما الفنّية وتاريخها، لكنه واقع يمكن التحقق منه بإضافة أفلام عشوائية لأي من هؤلاء وغيرهم، من أفلام تم إنتاجها في عقد الستينات تحديداً. لكن وجود فاردا أضاف إلى “الموجة”، كمخرجة امرأة أولاً وكنسوية تعطي بطولات لنساء في أفلامها ثانياً، فالنساء كانت محور موضوعاتها، ولم يكن ذلك من جانب “نضالي” قد يشوبه بعض الانحرافات، بل من جانب موضوعي وذاتي، فنّي وسردي، إنساني ونسائي، وذلك ما حيّد تهمة “الذكورية” عن “الموجة” متى كان الحديث عنها عاماً إذ كان لا بد أن يشمل فاردا.

برحيل أنييس فاردا خسرت السينما “أمّاً روحيّة” لتلك الأفلام التي تُدخل الروائي بالوثائقي، الإنساني بالفني، الشخصي بالمجتمعي. وهي مناسَبة لمشاهدة (أو إعادة مشاهدة) هذه المخرجة الاستثنائية، مشاهدتها هي في أفلامها، هي في أفلام آخرين، ومشاهدة آخرين في أفلامها.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.