1, الأولى
اكتب تعليقُا

عن ذاتية “الأفلام الأفضل” وتنوعاتها ونقضها لبعضها

بين فترة وأخرى تجري صحيفة ما استبياناً عن الأفلام الأفضل، مع بداية كل عام نجد لوائح كتلك تتعلق بالأفلام الأفضل خلال العام السابق، وهذه قد تكون أكثر موضوعياً أو قابلية للأخذ بعين الاعتبار من اللوائح الشاملة الواسعة. لوائح أخرى قد تصدر دون مناسبات محددة تتعلق بالأفلام الكوميدية الأفضل في التاريخ، أفلام الويسترن، الميوزيكال (الموسيقية)، الخيال العلمي، الوطنية كالفرنسية أو الإيطالية… وغيرها من اللوائح العديدة المعتمدة على نوع محدد من الأفلام أو على شرط يحدّد الخيارات ويسهّل المهمّة على المختارين، كلائحة أفضل فيلم في القرن الـ ٢١ التي أجرتها BBC عام ٢٠١٦ ونال “ملهولاند درايف” لديفيد لينش المركز الأول بجدارة. ذلك ما يحدّد -كثيراً- الخيارات وما يجعل اللوائح بالتالي أقرب لرأي موضوعي يمكن، نسبياً، أخذه بجدية أكبر.

خلاف كل ذلك نجده في الاستبيانات التي لا حدود لها، التي تجد لنفسها تسميات أكثر طُموحاً كالأفلام الأفضل “في التاريخ”. وهذه حاضرة في لوائح منها الجدّي الضروري أخذها بعين الاعتبار ومنها الهزلي، لكن بنظرة سريعة نجريها هنا على هذه اللوائح، سنصل إلى نتيجة أن ليس هنالك ما يمكن تسميته بـ “الأفلام الأفضل في التاريخ”.

كل تلك اللوائح مبنية على آراء شخصية، وهذه الآراء تتفاوت، ولا يمكن لها أن تشكل رأياً واحداً يكون موضوعياً، لأنّ اللوائح تختلف حسب هؤلاء الأفراد، أذواقهم ومعارفهم وطبيعة علاقتهم بالسينما، لنقل أن لائحة مبنية على آراء نقاد لن تكون كلائحة مبنية على آراء زوّار موقع الكتروني، ثم هنالك اختلاف بين هذا الموقع وذاك، لطبيعة الزوّار، ثم بخصوص النقّاد، هنالك فرانكوفونيون وهنالك أنكلوفونيون، وهنالك -لا بد- آسيويون وآخرون في هذا العالم لا نعرف عنهم الكثير لأسباب متعددة من بينها المركزية الغربية واللغة.

هنالك أسباب لا تنتهي لكنها تتعلق أساساً بالأفراد الذين يشكّل مجموع آرائهم الرأيَ العام، ما أريد قوله هنا أن ليس هنالك رأياً موضوعياً أو عاماً واحداً يمكن أن يكون “اللائحة -بـ أل التعريف-لأفضل الأفلام في التاريخ”. ثم، نضيف على كل ما سبق، أن أحدنا غير ملزم بأي لائحة مهما كانت، فلكل منا ذوقه الشخصي ومعارفه ومداركه التي تسمح له بأن ينحاز لفيلم دون غيره، ثم أن يغيّر رأيه ولا يتوقف عن تغييره. هذه اللوائح كذلك قابلة للتغيير، مثال صغير على ذلك أن لائحة المجلة السينمائية المتخصصة الإنكليزية “سايت آند ساوند Sight & Sound” كانت تمنح المركز الأول ولسنوات طويلة لفيلم “المواطن كين” لأورسون ويلز، وفي لائحتها الأخيرة فقط احتل المركز فيلم “فيرتيغو” لألفرد هيتشكوك بعدما كان الثاني. لم يتغير شيء في الفيلمين ولا في كل ما يتعلق بهما، ما بدّل بين المركزين، الأول والثاني، هي آراء جديدة دخلت إلى الاستبيان مع تغييرات في آراء لمشاركين سابقين، أما الفيلمين فلم يتغير شيء فيهما ليكون أحدهما سبق الآخر أو لحقه.

قد تكون لائحة هذه المجلة هي الأكثر مصداقية أو -لنقل- الأقرب من حيث الاختيارات للعديد من محبي السينما. هي لائحة تصدر كل عشر سنين (القادمة ستكون في ٢٠٢٢)، وهذا تقليد في المجلة منذ عام ١٩٥٢، ما جعلها الأكثر رسوخاً في ذلك، وللمجلة لائحتان تفصيليتان الأولى هي اختيارات النقّاد للأفلام الأفضل والثانية هي اختيارات المخرجين. واللائحتان متقاربتان، هي الأفلام ذاتها تقريباً والاختلاف يكون عموماً في الترتيب بينها وبين بعضها. المجلة تصدر عن “المعهد البريطاني للأفلام BFI” ويقابلها لائحة أمريكية أقل رصانة وأكثر هوليوودية، وخياراتها محصورة بالأفلام الأمريكية، هي لائحة “المعهد الأمريكي للأفلام AFI” التي صدرت عام ٢٠٠٧.

عالمية المجلة الإنكليزية والاختيارات ولا مركزيتها هو ما جعل لها مصداقية يمكن أن تفوق كل ما عداها. هذا ما نجده بنسبة أقل في لائحة أخرى هي لمجلة “تيليراما Télérama” الفرنسية، حيث نجد مركزية نسبية للأفلام الفرنسية، هي لائحة يمكن أن تتقاطع مع العديد من محبي السينما كذلك، إنّما تبقى أكثر راديكالية (يتعلق ذلك بحضور قوي لأفلام “الموجة الجديدة” الفرنسية) وأقل عالمية، أكثر فنية وأقل تجارية، أكثر تجريبية وأقل عاديّة، أكثر ذاتية وأقل موضوعية، وقد يكون ذلك لحصر المجلة اختياراتها بالنّقاد فيها.

هنالك جهات أخرى تقوم بهذه الاستبيانات، ومعظمها صحافية، من بينها مجلة “إيمباير Empire” الإنكليزية لكن لائحتها التي نشرتها العام الماضي ترفيهية وتجارية جداً وأنكلوفونية جداً، بالكاد يجد محب السينما فيها بعضاً مما يودّ مشاهدته. قد نجد ما هو أقل وطأة من ذلك في مجلة أكثر تخصصاً وهي “ذا هوليوود ريبورتر The Hollywood Reporter”، في لائحة نشرتها عام ٢٠١٤ حيث كان الحضور الأمريكي والتجاري مسيطراً، على حساب السينما الفنية والعالمية، لكنّ المجلة قدّمت للائحة بإشارات إلى أنها معنية أساساً بأفلام ترفيهية وحققت نجاحاً في الإيرادات، وذلك لطبيعة المشاركين فيها وهم من الوسط السينمائي الأمريكي صناعةً وتسويقاً وإعلاناً وإنتاجاً… وهذه لوائح لا تعني محب السينما (السينيفيلي) إلا بالقدر الذي يمكن أن تتيحه من معرفة عن “آراء أخرى” في الأفلام.

لكن مازال بإمكان أحدنا أن يجد “ادعاءات باطلة” للوائح بالأفلام التي تعتقد بأنّها الأفضل، وهذه تتعدى الترفيهية في أفلامها إلى السطحية، وهي أساساً ليست معنية بالسينما والنقد بل بجماهيرية الفيلم، وهي مواقع أمريكية تُعنى بجمهورها أولاً وعاشراً، منها “روتين توماتوز Rotten Tomatoes” المعتمد على آراء نقّاده وهم كثر، ورداءة ذوقهم يمكن التنبؤ به من الأفلام التي على رأس اللائحة. موقع آخر هو IMDb الأمريكي و “Allocine” الفرنسي الشبيه به، الذي يقوم بالتقييم فيه زوّاره، وليست أياً منها لائحة جديرة بالبحث عمّا فيها لمشاهدته.

إضافة إلى كل ذلك، هنالك لوائح يمكن أخذها بجدية لطبيعة المشاركين في اختيارات الأفلام، أحكي عن لائحتين تحديداً، إحداهما لائحة موقع “موبي Mubi” وهو موقع مرجعي ومعرفي عن السينما لكنه أساساً موقع عرض أفلام، له لائحة مثيرة للاهتمام وضخمة إذ تحتوي على ألف فيلم، وليس مئة كما هي اللوائح الأخرى. لكن أهميتها تكمن في أنها قائمة على آراء لا زوّار ولا نقّاد مجهولين، بل على المشتركين بالموقع، وهم بالضرورة سينيفيليون، محبون للسينما، من العالم أجمع، ويدفعون مبلغاً بسيطاً (هم ليسوا زواراً وحسب) لمشاهدة أفلام مستقلة وفنية كالتي يعرضها الموقع، وهي لائحة تجري التعديلات بشكل أسبوعي، مع إضافات وحذوفات تكون معظمها في نهايات اللائحة.

موقع آخر لعرض الأفلام هو “لاسينيتيك lacinetek” الذي يحوي أفلاماً هي اختيارات لمخرجين، يقوم الموقع بترتيب الأفلام حسب تكرر ورودها في تلك الاختيارات، وفي النهاية نحصل على لائحة ليست بعيدة عن اللوائح الجادة (“سايت آند ساوند” و”موبي” و”تيليراما” مثلاً) للأفلام التي نالت حصّة أكبر ضمن المفضّلة لدى مخرجين عالميين أصحاب أفلام فنية ومستقلة.

ليست أياً من هذه اللوائح متطابقة مع الأخرى ولو في الأفلام الخمسة الأولى، ولائحة “الأفلام الأفضل” المعمَّمة ليست قانوناً يُطبق على المتلقي الفرد، فإن لم تحوِ اللائحةُ “الأفلام المفضلة” لهذا الفرد أو ذاك لن تكون “الأفلام الأفضل”، وهذه أذواق شخصية لا يمكن إسقاطها على أفراد خارجها وعلى التشكيلة المفضلة للفرد والمبنية على أذواق واهتمامات ومعارف وظروف ولغات وثقافات وغيرها، خاصة به.

النتيجة الوحيدة التي يمكن الخروج بها من هذه اللوائح كلّها -وغيرها- هي أنّه ليس هنالك ما يمكن تسميه بـ “الأفلام الأفضل” (حتى آرائي بهذه اللوائح هي شخصية) فهي جميعها آراء ذاتية تم تجميعها. لائحة الأفلام الأفضل بالنسبة لكل منّا هي أفلامه المفضلة، أفلامه القابلة للتحرك، للتراجع والتقدم، كلما شاهد فيلماً أو أكثر. لكن يبقى من الضروري الاطلاع على آراء أخرى تجميعية تكون لمختصين في السينما.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.