الأولى
اكتب تعليقُا

صورة لوليتا التي غلبت كوبريك ونابوكوف

صدر في أيلول/سبتمبر الأخير كتاب بعنوان “لوليتا الحقيقية” للصحافية الأميركية سارة وينمان، ألحقته، بعد أيام، بمقالة في “الدايلي بيست” عنونته بـ “تعرّف على لوليتا الحقيقية التي ألهمت نابوكوف في روايته”، ولحقتها الصحافة الأنكلوساكسونية بمقالات حول الموضوع.

تربط وينمان في مقالتها/كتابها بين أحداث الرواية وبين حادثة حقيقية أشار لها نابوكوف في روايته بسطر سريع هو “ما فعله همبرت همبرت بدولوريس هايز هو، في الحقيقة، ما فعله فرانك لا سال بسالي هورنر عام ١٩٤٨.” حقّقت في ذلك وأتتنا بـ “لوليتا الحقيقية”.

لكن لنبق، كقرّاء/مشاهدين، في ما نعرفه عن لوليتا نابوكوف، أو -للدقة- في الصورة الأولى التي تخطر لنا متى قرأنا/سمعنا كلمة “لوليتا”، وهو ما يحيلنا إلى الفيلم الذي رسّخ تلك الصورة أكثر مما فعلت الرواية.

الكشف عن لوليتا الحقيقية يعيدنا إلى البحث عن “صورة” لوليتا في أذهاننا.

هي صورة أتت من السينمائي إلى الروائي، وليس العكس. من ستانلي كوبريك إلى فلاديمير نابوكوف، وإن كان الأوّل هو من لحقَ الثّاني، أو صنع فيلم «لوليتا» المأخوذ تماماً عن رواية الثاني، «لوليتا». والحديث هنا عن صورة لوليتا، أو تحديداً تلك النظّارات الشمسيّة ذات الإطار الأحمر وبشكل قلب، وهي لوليتا كوبريك وليس نابوكوف. أو هي ليست حتى لوليتا كوبريك!

لنعُد -أكثر- إلى الموضوع من أوّله… كتب الرّوسي نابوكوف روايته الأشهر باللغة الإنكليزية ونُشرت أوّل مرّة عام ١٩٥٥ في باريس، مع إرشادات منه للمصمّم بأن لا يشمل الغلاف أي صورة لأي فتاة. وفي النّص ذاته نقرأ في موقعين فقط بأنّ الفتاة تضع نظارات سوداء داكنة. لا احمرار ولا قلوب.

لكن حتى في فيلم كوبريك الذي أُنتج عام ١٩٦٢، لم تظهر لوليتا في أي لقطة منه بنظّارات ذات إطار أحمر -حسناً، كان الفيلم بالأبيض والأسود- وأساساً لم تظهر بتلك النظّارات ذات الإطار بشكل قلب، وهي، تلك الصّورة، اليوم الدالُ الأكثر ارتباطاً بالحكاية من خلال شخصيتها الرئيسية، لوليتا.

وإن سُئل أحدنا عن هيئة لوليتا، أوّل ما قد يخطر له هي تلك الصّورة التي لم تأت لا من الفيلم ولا أساساً من الرّواية، بل من بوستر فيلم وغلاف كتاب. لنتذكر ما استهل به جون برجر كتابه «طرق الرؤية» إذ قال: ”الرؤية تسبق الكلمات“!

ولمقاربة فكرة لوليتا هنا، يمكن الاتّكاء على ما ذكره برجر لاحقاً إذ ”تتأثّر الطريقة التي نرى بها الأشياء بما نعرفه ونؤمن به“… ففكرة أحدنا ”عن جهنم تدين بالكثير لرؤيته النار النهمة وبقايا الرّماد.“ وهي كذلك فكرة أحدنا عن لوليتا التي تكرّرَ حضورها على تلك الصّورة/الهيئة، بمعزل عن مدى موثوقيّتها وعلاقتها بالأصل (هل يستطيع أحدٌ أن يثبت -مثلاً- مدى موثوقيّة العلاقة بين النار التي يعرفها هنا والنار التي يؤمن بوجودها في الأعلى؟)

وهذه الفكرة/الصورة المنتشرة عن لوليتا لا تتوقف على أساس أنّ الفتاة لم تظهر بهذا الشّكل لا في الرّواية ولا في الفيلم، وأنّها -بالمناسبة كذلك- لم تلعق أيّ مصّاصة لا في الرّواية ولا في الفيلم، بل أسوأ، فالصّورة التي صارت الدّال الأوّل على شخصيّة لوليتا توصل للرائي شخصية فتاة لعوبة، هي النّقيض من لوليتا في الرواية (والفيلم بنسبة أقل)، إذ كانت ابنة ١٢ عاماً، يتيمة خُطفت وتمّ التحرّش بها ثم اغتصابها مراراً وابتزازها وتهديدها بأنّها إن حكت لأحد فإنّها ستدخل مثله -الخاطف- السّجن، وأنّها ستفضّل بالتّأكيد الحياة معه على ذلك.

قد لا أفشي سراً حين أقول أنّ الفتاة ستهرب في النّهاية (هنالك ما بعد الهرب فلم أفسد لا الرّواية التي يُشار باكراً فيها إلى أنّ الفتاة ستهرب، ولا الفيلم)، وهذا ما يمكن أن يهوّن السّرد السّادي للرواية الذي يحكي فيه همبرت تعلّقه البيدوفيليّ والاستغلالي والإجرامي بالفتاة، وإن كان سرداً جميلاً فنّياً وممتعاً.

لا أحكي هنا عن سطوة السينما على الأدب، وإن لم تكن السينما ”بريئة“ في إشاعة تلك الصّورة عن لوليتا، فحديثنا هنا يتناول صورة لوليتا -تلك التّي تمصّ فيها- على ملصق الفيلم الذي تفشّى ليصير على أغلفة نسخ عديدة من الرّواية وبترجمات عديدة (منها عربيّة).

أساس الإشكال هنا هو ملصق الفيلم.

غلبت الصّورةُ هنا النصّ والشّريط، غلب النّظرُ القراءةَ والمشاهدة، غلب الكسلُ والبلادةُ الجهدَ الذّهني المطلوب لمتابعة رواية أو فيلم، من هنا تتشكّل الثّقافة الشعبية (الپوپ) التي تُسقط ”مفاهيمها“ السّطحية للأعمال الفنّية على مضمون العمل ذاته، فالطّريقة التي نرى بها الأشياء (رؤية أحدنا للنّار) تؤثّر على ما نؤمن به (فكرة أحدنا عن جهنّم).

ما انتشرت صورة لوليتا الأثيرة -تلك ذاتها التي تمصّ فيها- وما عادت تُرى إلا كذلك فكانت الأكثر انتشاراً وتفشّت على أغلفة الرّواية، إلا لأنّ أحدهم لم يقرأ الكتاب ولم يشاهد الفيلم، صار يوماً مصمّم أغلفة، وأمدّ الله بعمره إلى اليوم الذي طُلب منه تصميم غلاف لرواية فلاديمير نابوكوف.

في المدن

This entry was posted in: الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.