الأولى
اكتب تعليقُا

«أزاهير الخراب»… لعبة البحث دون غاية

في فيلم وثائقي بعنوان «باتريك موديانو، أتذكّر كلّ…» (2015، 52 دقيقة) نشاهد الكاتب الفرنسي الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 2014، في بيته، يقلّب قصاصات من صحف قديمة، ويقول بأنّ لديه الكثير منها.

من هذه القصاصات ومن ذاكرته الغنيّة وكذلك مخيّلته، صنع هذا الروائي الفرنسي، المُسمّى ببروست الأزمنة الحديثة، أدبه الخاص، فرواياته ترتكز على ذكرياته، وعلى أمكنة باريسية، وعلى تنقّل بالزّمن يحوم حول تلك الذكريات وتلك الأمكنة، ما جعل اللغة الفرنسية تخرج بمفردة جديدة هي ”موديانيسك“ نسبة إلى الأسلوب المودياني في الأدب.

نجد كل ذلك في رواية باتريك موديانو (1945) التي صدرت بالفرنسية عن ”منشورات سوي“ عام 1991، وهذا العام بترجمة عربية بديعة لبسام حجّار، عن ”نوفل – دمغة الناشر هاشيت أنطوان“ بعنوان «أزاهير الخراب» (119 صفحة).

في الرواية ثلاثة أزمنة، زمن الرّاوي الذي يبدأ بالتذكّر حين يمرّ بأحد الأحياء في باريس في أوائل التسعينيات، وزمن ما يتذكّره من سني شبابه أثنائها، في الستينيات، والزمن الذي حصلت في المكان عينه ”حادثة“ في الثلاثينيات، إذ تفصل ثلاثون عاماً بين زمن وآخر، أمّا ما يجمع ثلاثتها فهو المكان الذي تجري فيه لا أقول الأحداث، بس ما يُسرد من ذكريات وافتراضات ومعلومات، والمكان هو حيّ في ”مونبارناس“ وأمكنة تفصيلية أخرى في باريس تزدحم بها الرّواية.

وهذا التتالي في الأزمنة والتماثل في الأمكنة تقنية موديانيّة نجدها في رواية أخرى له كذلك هي «دورا بروديه» (منشورات غاليمار، 1997) إذ أن الحكاية كذلك تنقسم زمانياً إلى ما يعيشه الراوي وما يتذكّره وما قرأه في قصاصة من جريدة، وكلّها تجري في الأمكنة عينها.

في الروايتين، يتّخذ موديانو، أو الرّاوي -فالرّاوي يتماهى هنا مع الرّوائي، إشاراتٌ زمنية (سنة الولادة مثلاً) تشير إلى ذلك التماهي- يتّخذ دور التحرّي، فهو يبحث ويجمّع خيوط جريمة قتل (في «أزاهير الخراب») حدثت في المكان الذي يزوره مع ابنته، قبل ستين عاماً، مستعيداً زياراته للمكان قبل ثلاثين عاماً، رابطاً بين شخصيات قرأ عنها في أقوال الشهود والقصاصات الصحفية، وبين أخرى التقاها وعاشرها في المكان ذاته بعد الحادثة بثلاثين عاماً، وقبل زيارته مع ابنته للمكان الذي كاد ينساه لانقطاعه عنه، بثلاثين عاماً.

طغيان الزّمن المتنقّل والسّرد بصيغة الراوي الأوّل (المتكلّم) وكذلك طغيان المكان، همّش الشّخصيات المتعدّدة التي لم يسمح، كذلك، حجم الرّواية القصيرة -كمجمل روايات موديانو- بتطويرها، فكانت الشخصيات هي الحاضر الثانوي في رواية كان حاضرها الرئيسي هي الأمكنة، فأسماء الشوارع والساحات ومحطات المترو المتكررة في الرواية تنال الحصّة الأكبر منها، والشخصيات فيها تحضر وتغيب كأسماء وبعض التوصيفات والقليل من الحركة والحوارات.

أمّا الحكاية المنفلتة التي يحاول الرّاوي، وربّما الروائي كذلك، تجميعها دون أن تكون الغاية من الكتاب هو تقديم حكاية واحدة لها بداية وتتطوّر إلى نهايتها، فهي بحث الراوي في حيثيات جريمة قتل أو انتحار حصلت في شقّة زوجين شابين ومحاولته الربط بين من عرفهم من شخصيات/أشخاص، رابطاً بينها/بينهم بشكل غير مقنع، وبين الحادثة، أمّا الـ ”غير مقنع“ هذه، فهي غالباً تعود لاعتماد الراوي/الروائي على الذكريات والافتراضات وعلى قصاصات تحوي أقوال الشهود ونتائج التحقيقات، فليست عملية الإقناع هنا غاية الرّاوي الذي، كما يبدو، تتوقف غايته عند عملية الربط والبحث والافتراض والخلق، وهذا هو مكن الرواية التي لن يجد من يبحث فيها عن حكاية تقليدية تنتهي بحلّ واضح ونهائي، مُرادَه.

لهذه التقنية غير التقليدية إشارات في الرّواية نجدها في ذكر الراوي لأكثر من مرّة تأثّره بفيلمين ”أيقونيّين“ من ”الموجة الجديدة“ في السينما الفرنسية هما «لولا» (1961) لجاك ديمي، و «وداعاً فلبّين» (1962) لجاك روزييه.

يقوم الرّاوي هنا بإعادة بناء الحكاية من خلال افتراضاته وذكرياته، رابطاً ”بانفلات“ بين معلومات هنا وشخصيات هناك ليشكّل هو حكايته، ليجد هو نتائج تحرّيه وهو تحرٍّ روائي حكائي وليس بوليسي، فليست الغاية هي إيجاد الجاني، بل التجوّل في الحكاية وشخصياتها الهشّة تماماً كما يتجوّل الراوي بين الأمكنة، راهناً مع ابنته وسابقاً مع صديقته.

نقرأ من الرّواية ما يمكن أن يشير إلى ”موديانيّة“ النَّص (ص 75):

”جلستُ على شرفة أحد المقاهي قبالة مدرّج «شاترلي»، ورحت أقلّب عدداً من الفرضيات بشأن فيليب دي باشيكو الذي لم أرَ وجهه حتى، كنت أدوّن بعض الملاحظات، ومن دون أن أدرك تماماً ماذا أفعل، شرعت في تأليف كتابي الأوّل. لم يكن دافعي رسالة حياة اخترتها لنفسي ولا موهبة خاصة حبيتُ بها، بل كان ببساطة ذلك اللغز المتمثل بحياة رجل من المؤكّد أنّني لن أعثر عليه، وكل تلك الأسئلة المحيطة به والتي لن أعثر على أجوبة لها.“

اللعبة هنا هي متعة البحث (متعة الكتابة الروائية لدى موديانو ربما)، التنقّل بين الأمكنة بحثاً عمّا يستحيل إيجاده، واقعياً. والغاية هي استمرار البحث وليس الانتهاء منه بنتيجة ما.

في القدس العربي

This entry was posted in: الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.