الأولى
اكتب تعليقُا

ما يقوله المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار في «أوراق بنما»

من بين الأفلام الأكثر انتظاراً لتُعرض في مهرجان كان المنعقد ما بين 11 و 22 من هذا الشهر هو فيلم «جولييتا» للمخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار، أحد الكبار سينمائياً أينما حل. ولهذه المناسبة أجرت مجلّة «تيليراما» الفرنسية حواراً معه تحدّث فيه عن أمور عدّة من بينها الفيلم وأوراق بنما.

ولأنّ موضوع هذه الأسطر ليس الفيلم المنتظَر (سيُعرض خلال أيّام في فرنسا وسنتناوله في مقالة مخصّصة) فسنتجنّب الفيلم، ونذكر ما أتى دونه في الحوار، وتحديداً ما خص فضائح أوراق بنما، حتى لا نكتفي كقرّاء عرب بعناوين كـ “ألمودوفار متورّط في فضائح بنما”.

في الحديث عن الشّغف بدايةً، يقول بأنّ الشغف الذي يصوّر فيه أفلامه ما زال كما هو منذ صوّر فيلمه الأوّل، و «جولييتا» هو فيلمه العشرون، لكن الفرق الآن هو أنّه يحتاج لتصوير الأفلام كي يعيش، فاللذة التي يشعر بها أثناء تصوير الفيلم تختلط بذلك القلق الملازم للشغل. والقلق والضغط الذي يجد نفسه فيهما يستحضرهما متقصّداً من اللحظة التي يبدأ فيها بالتّحضير للفيلم. صناعة الأفلام هي التجربة الوحيدة التي يمكن أن تسيطر عليه تماماً، يقول.

يشعر ألمودوفار بوحدة تامّة هذه الأيّام، لكنّ في شبابه كان مجنوناً محاطاً دائماً بأصدقاء مجانين، وكانت هذه جامعته، لكن في السّهرات كلّها كان دائماً أوّل من يعود إلى البيت، محتاجاً وقتاً يكون فيه لوحده. الرّغبة في العمل في السينما بدون شهادة وفي مرحلة ما تزال فيها إسبانيا متأثّرة بحقبة الديكتاتور فرانكو، أجبرته على الحفاظ على انضباط ما. لكنّه أحبّ أساساً أن يكون منتهِكاً للسائد، أن يقوم بأعمال فاضحة. هذه المشاعر المتناقضة كانت حاضرة دائماً، والعزلة كانت دائماً حاضرة إلى جانب الحياة الصّخبة مع الآخرين.

بعد حديثه عن الشّغف والوحدة تركّز الحوار على الفيلم الذي أتى ألمودوفار ليشارك به في كان، لكن كان لا بدّ بعدها من السؤال عن أوراق بنما التي تزامن خروجها مع عروض الفيلم في إسبانيا. لا يريد أن يتّخذ موضع الضحيّة، يقول في ذلك، لكنّها كانت تجربة مريعة. من اليوم التالي وجد نفسه في واحد من العروض الوحشيّة من تلفزيون الواقع، كان كمن يصحو من منتصف كابوس، لم يعرف أبداً ما تمَّ نشره في الأوراق. في اليوم التالي نشر أخوه أوغستان بياناً اعترف فيه بأنّه وبيدرو كانا قد أسّسا شركة خارج البلاد والتي استمرّت من 1991 حتى 1994. وهذه شركة لم تقم بأي نشاط أبداً، وقد ماتت الوكالة مفلسةً. وأوغستان كانت تنقصه الخبرة في إدارة شركة. الحديث هنا عن وثائق تمّ توقيعها قبل 25 سنة، وبالتالي لم يكونا يدركان ما يدركانه الآن، يقول، ولو كانا يدركانه لرفض أوغستان تماماً التّوقيع على ما وقّع عليه في حينها. في شركة الانتاج التابعة لهما، أوغستان هو الذي كان يتولى المسائل الماليّة، ولبيدرو الناحية الإبداعيّة، وهو، أي بيدرو، جاهل في المسائل المالية.

أخوه مخوّل تماماً لاستعمال توقيعه منذ 1980، وقد استعمله لاستخدامات رائعة، باستثناء هذه الحادثة حيث ارتكب خطأً. لكنه لا يلقي باللوم على أخيه فقط، يقول، فجهله هو التام في المسألة برمّتها ليس عذراً. ويتحمّل هو المسؤولية كاملة فيما حصل كشريك لأخيه في الشركة، يقول، لكن ليس عليهما أي تقصير تجاه الضرائب الإسبانية، فقد كانوا دائماً يدفعون ما عليهم دفعه.

المسؤولية التي يشعر بها هي أساساً أخلاقية وإن بدا ذلك متناقضاً مع ما حصل، يقول، فقضائياً أموره صحيحة، وهو يظل الشخص ذاته، قبل الفضيحة وبعدها، مواطن يساري ما زال يحافظ على رؤيته ذاتها فيما يخص المجتمع. هذه الشركات العابرة للمحيطات تثير خوفه، هي كارثيّة، وهي تمثّل كل ما هو مسبّبٍ للأزمة الاقتصادية التي تعيشها إسبانيا منذ 2007 وما تزال. ضحايا هذه الأزمة هم قبل أي شيء الأشد فقراً وعوزاً وهشاشة، وهذه الشركات هي كذلك وسائل لتمويل الإرهاب، رؤوس الأموال الغامضة هذه مثيرة للاشمئزاز. لذلك كان مريعاً أن يرى اسمه على هذه اللائحة سيئة الصيت، يقول، وأن يراه بارزاً أكثر من غيره كونه يعمل في مجال السينما، لكن من الجيد أن تكون هنالك لوائح كهذه على كل حال. فإن كان ذلك يساعد على مكافحة حالات التهرّب الضريبي، وإن كان ذلك يعني أنه لم يعد هنالك غموض في ذلك، ولا ملاجئ للمال القذر، فسيكون ألمودوفار سعيداً.

ينتهي الحوار بسؤال إن كان العام الذي تم توقيع الوثائق فيه وهو 1991، مرتبطاً بالنّجاح العالمي الذي حققه في حينه. يجيب بأنّه مقترن به تماماً، فمباشرةً بعد النجاح الكبير لفيلم «نساء على حافة الانهيار العصبي»، ثم لفيلم «قيّدني» بدأ باستقبال عروض خياليّة من كلّ العالم، وبعد «كعوب عالية» أقاما تشاركات إنتاجيّة مع فرنسا، وكان لديهما إمكانية للتعاون والعرض في أماكن بعيدة من العالم، وكانت مرحلة هامة جداً في حياته واعتمدت على قرارات حاسمة، وعلى الرغم من كل العروض الهائلة التي وصلتهما، فقد قرّرا أن يبقى مقر شركتهما في مدريد. لم يرد أن يغيّر البلد، فثقافته هي الإسبانيّة، يقول منهياً الحوار.

في القدس العربي

This entry was posted in: الأولى

بواسطة

أفاتار غير معروف

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

للتعليق..

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.