مجموعة نصوص نثرية صدرت عام 2008 عن دار كنعان في دمشق
سامر أبو هواش : قصة حب فلسطينية
“أن تكون لاجئاً أي أن تحنّ”، يكتب سليم البيك في بداية كتابه “خطايا لاجئ” الصادر أخيراً عن “دار كنعان”.
والحنين هنا ليس حنيناً إلى حياة سابقة، إلى ذكريات ما، إلى غياب ما، بل لعله أقرب إلى الاشتياق، إلى التوق، ليس إلى ما هو متحقّق، بل إلى ما لم يتحقّق بعد، مشفوعاً بـ “لو” و”إذا”، و”ربما” وغيرها من المفردات التي لا تفيد المتحقق بل المحتمل والمتخيّل وأحياناً المستحيل: “لو كنت هناك لضحكت كغيري، لا كلاجئ• لعشقت عروسة عكا كغيري، لا كلاجئ”.
أو حين يقول: “فلتشهد فلسطين يا حبيبتي بأني على قيد الاشتياق”.
هذا التوق يقود خطوات الكاتب على امتداد نصه هذا، وتتردّد كلمة “الانتظار” والتنويعات عليها مرات كثيرة• لكنه انتظار من نوع آخر، أو بالأحرى معبّر عنه بطرق مختلفة.
بالنسبة إلى كاتب فلسطيني شاب في زمننا الراهن لا فائدة جدية من تكرار “أحاسيس” معينة تتعلق بالوطن الغائب بالطريقة نفسها.
هكذا تغيب من نص البيك النبرة الخطابية المباشرة، ولغة المرارة الأليفة، لتحلّ محلها – وإن أحياناً برومانسية مفرطة تقوم على مخزون متحقق سلفاً في الأدبيات الفلسطينية يندرج ضمنها مثلاً عنوان الكتاب نفسه – لغة أخرى شفافة، أقلّ مباشرة، أكثر تلميحاً وصدقاً.
فالتجربة التي يتمحور حولها الكتاب، وإن كانت قابلة للتعميم، فهي تجربة فردية.
تجربة توق فردي إذا جاز القول.
تجربة بحث عن لغة خاصة لقول الاشتياق، والوطن، والعلاقة بالذاكرة والمكان، وفوق كل هذا هي علاقة بالأنثى، التي ترتسم غالباً امرأة من لحم ودم، لا مجرد فكرة أو شعار أو رمز: “هي تسكن في منطقة السينما القديمة، وكانت في طريقها إلى عمتها في البلد القديمة، إلى حيّ الفاخورة• رأتني هناك، من طقوسي عرفت بأني أنتظرها كالعادة، من دون أي اتفاق أو موعد مسبق• وكالعادة لا تتركني أنتظر كثيراً..”.
يردم الكاتب طوال الوقت غياب الأنثى، الحدود الجغرافية والأقسى من جغرافية، أي حدود الاحتلال، بمشاهد متخيلة تجمعه بها.
لكننا في الواقع لا نعرف أو لا نميّز تماماً بين المتخيّل والحقيقي.
نعرف على الأقل أن الأنثى الحاضرة هنا أنثى حقيقية، وأن استدراج اللغة المستمرّ إلى ربط هذه الأنثى بالمكان، كأنها بوابته، أو العكس كأن المكان هو بوّابة هذه الأنثى، ما هو إلا من قبيل ردم الشوق، وبناء مساحة حقيقية يتحرك فيها المتخيّل ويرتسم حقيقياً.
وإن لم يأت ذلك خالياً، بالنسبة إلى الكاتب، من الأسئلة والهواجس المقلقة حول اللعبة نفسها، لعبة ردم الخيال والمسافة التي يلعبها: “فلماذا تعشق إذاً؟ لماذا كذبت على كلماتك وأقنعتها بأنك هناك وبينهم؟ وأنك تشاركهم برودة مائها وتقاطع شوارعها وعشق لياليها؟ وأنهم يتركون لكرسيك أن ينتظر، وفنجان قهوتك أن يبرد؟”.
نص سليم البيك، وهو أول نص له، أو أول نص منشور في كتاب، ينطوي على احتمالات كثيرة.
أكثر ما يهمني شخصياً أنه ينطوي على كاتب، شغوف بالكتابة، باللغة، بالحياة، يملك علاقة حميمة باللغة، وإن جاءت مثقلة في أحيان بموروث رومانسي في التعامل مع موضوعة الوطن الغائب، لكن الأهم من هذا كله أنها لغة صادقة، وصدقها هذا هو ما آمل أن يقودها إلى المزيد من الفرادة والاتساع.
في مجلة المرأة اليوم
——–
مروان عبد العال: سليم البيك يرمم فسيفساء الروح
لم يقصد سليم البيك في نصوصه المنشورة بعنوان (خطايا لاجئ) أن يذيع رسالة غفران. حتى ولو بدأ كتابه بالاعتراف بالذنب. وإن صدق القارئ أنه أمام نص يحمله إلى كرسي الاعتراف، ليدرك الخديعه الكبرى بأن الخطايا ليست سوى أحلام لاجئ، فقد قصد بأن أحلام اللاجئ بنظر المذنب الحقيقي ليست سوى خطيئة إستحق عليها ألوان التشرد والهجر والحرمان. وأي أحلام تلك… الممزوجة بطعم الشهوة المر في اللجوء المعتق.
هي نصوص في فسيفساء الروح رصعت بخزف جميل على رقعة الغياب المقيم على جنبات حياتنا وفي عقولنا فصاغها على صفحات كتابه. هي غليان في بركان وجداني عميق، استطاع أن يبوح به إلى العلن، وعن عشق لطقوس وطن متخيل، لم يعش فيه ولم يتنشق نسمة من هوائه، لكن الحنين أقوى من المنفى، والإرادة تنتصر على عقوبة الغياب. لقد اتبع أسلوبا جميلا رشيقا وشفافا، للتعبير عن ذاته وذوات اللاجئين من وطنهم، وكأنه يعود بنا من ضياع طال الى وطن ينتظر.
لقد عبر الكاتب بالفكرة الى فلسطين، تخيَل المشهد بتفاصيله المفترضه. وصل إلى برتقاله وليله و لون سمائه من خلال جليلياته، ويتبين ذلك بقوله:’ وأنت تعرف أن الليل، وأن احتواه العشق لن يخالف قوانيين الخالق ليجامل هذيان عاشق‘. فيسمو بأفكاره نحو الاحتواء الإيجابي، تصير فيه فلسطين أنثى ومعشوقته الأكبر والجليلية من ضلعها وصورتها الأجمل. لقد استخدم الرمز للتعبير عن شغفه بها سواء بامرأة حقيقية أم متخيله. وهنا لابد من التحذير من مغامرة الوقوع في تقليدية احتواء الوطن بصورة المؤنث، والتي حولها جزء كبير من الأدب الى محاكاة ذكوريه لوطن مغتصب! وكذلك على التكرار الذي حصل مع بعض اللألفاظ مثل (الجليل) التي تكررت حوالي ثلاثين مرة في النصوص، كان بالإمكان استعارة رموز جليليه تؤكدها لا تكررها.
أما بالنسبة للبناء الأدبي الفني للنصوص، فقد استطاع الكاتب تطويع الصور الجميله لخدمة النصوص، من استعارات وكنايات وتشابيه، أجملها حين يقول:’ بعد أن ملني الأمل وهجرني وصرت لاجئا مرتين ، بعد أن وبخني‘
أو في قوله :’ هو كفراشة ، جميل ورقيق و يحترق بسرعه‘
’يسألني أملي متأملا أم مجاملا قبل رحيله‘
من الفسيفساء إلى الكيمياء يتعدى الكاتب حدود الأدب الى كوكبة التفاعل الأنساني العميق بقوله:’ كانت تذهب إلى البيارة لتعشق برتقالة، تقبلها فتتفاعل القطرات الحامضة مع شفاهها الحلوة‘ ولا تغيب الاختلاجات النفسيه التى تكشف حقيقة الروح المغتربه وذهنية الإنسان المقتلع في التصعيد النفسي بقوله:’ الصبيه نرجسية.. وأنا نرجسي‘. وفي الوصف العاطفي بأسلوب جمالي أنيق، حين يصف النفس بخفقان يصعد ويهبط من شدة النشوة بالحب، مستخدما الحمامتين كرمز جميل للتعبير عن سلام حبه بقوله:’ ترقدان ناهضتين على صدرها تنبضان وتشهقان بتوتر هبوط وصعود الروح الى السماء‘.
إن جماليات هذه النصوص جعلت هذا العمل يؤدي غرضه الفعلي وإن كان للعبارات مكانتها ودلالاتها ولكن لحمتها الداخليه أكثر كان سيكمل المهمه ويزيدها رونقا، كونه يعتبَر هذا الكتاب عمل أدبي ناجح عبر عنه الكاتب بطريقه خاصة ورائعه.
وما لم يعرفه الكاتب قبل كتابة هذا السطر أن ولادة هذه الباكورة الأدبيه أكدت لي حقيقة (أن أحلامنا جمر تحت الرماد) فقد قدم لي المخطوطة مشكورا قبل نشرها، لم أقرأها بقيت في جهاز الكومبيوتر في البيت الذي أكلته النار مع كل ما فيه من خطايا.
في الأخبار اللبنانية
——–


